تصميم
الملصق، أو البوستر، أيا كان الموضوع الذي يشير إليه يفترض أنه يثبّت على سطح، ويُشهَر بشكل يتيح للعموم رؤيته أو الاطّلاع على مضمونه.
هذه الميزة تجعل "البوستر" شديد الارتباط بوضع الحريات، وخاصة حرية التعبير، في الفضاء الذي يُشهَر فيه. فالفضاء المتمتع بالحريات يَعتبر إشهار الملصق حرية يقيدها الالتزام بالشروط المنصوص عليها بقانون. أما في الفضاء الخاضع لسلطة الاستبداد فإشهار الملصق أمر ممنوع يمكن السماح به بعد الحصول على الموافقات اللازمة لذلك.
رافقت البوسترات الثورة السورية منذ اندلاعها. وقامت بعض المجموعات على الإنترنت بصنع ملصقات تقطع مع تاريخ الملصق الاستبدادي، الذي كُرّس جزء كبير منه لحمل عبارات التبجيل للقائد وصوره، وتؤسس لملصق سوري جديد منفتح على آفاق الحرية المنشودة. بعض هذه الملصقات كانت تنسخ عن الإنترنت وترفع أثناء المظاهرات لكن فضاء إشهارها الأساسي بقي الفضاء الافتراضي للإعلام الجديد، أو في المدن غير السورية التي يعمل فيها ناشطون سوريون مؤيدون للثورة (بيروت بشكل خاص).
تصوير
نظرياً، يتميز التصوير عن الرسم باستخدام الألوان، أما في الممارسة العملية فلم تعد الحدود بين الفنيّن واضحة تماما.
بلغ التصوير في سورية مكانة عالية جدا على المستوى الإقليمي والعربي، وهناك فنانون سوريون معروفون عالميا، لكن عددا كبيرا منهم دفعه ضيق هامش الحرية إلى السفر فأقام، أو ما زال يقيم، خارج البلاد.
قبل الثورة، كثير من الفنانين السوريين الكبار كانوا يُحسَبون على المعارضة غير أن قسما لا بأس به منهم اختار موقفا حياديا، ومنهم من ترك البلاد والتجأ إلى دولة أخرى يتابع فيها عمله كما لو أن شيئا لم يحصل في الواقع السوري. بالمقابل رسّخت الثورة المواقف المعارضة للنظام لدى فنانين آخرين، ومنهم من عانى من التضييق أو الاعتقال والتعذيب بسبب ذلك.
تناول الفنانون المنخرطون في الثورة موضوعات جديدة أوجدتها التحولات التي أصابت البلاد: العنف الوحشي، الدمار، الشهداء..... وابتدع بعضهم أساليب جديدة في التعبير تتناسب مع تلك الموضوعات.
وإضافة إلى أنماط التصوير الأكاديمي، ظهرت مع الثورة أشكال جديدة أكثر عفوية منها التصوير الرقمي، أثبتت وجودها في الفضاءات العامة وعلى وسائل الإعلام الجديد، وصارت جزءا لا يتجزأ من متحف التصوير السوري.
تصوير فوتوغرافي
الكاميرا سلاح في الثورة لا يقل في أهميته عن أي سلاح آخر، وهذا ما جعل حمل الكاميرا مسألة خطيرة تعرّض صاحبها لخطر الاعتقال أو القتل برصاص القناصّة. ومن الصور الشهيرة المتداولة عن الثورة السورية صورة الكاميرا الغارقة بدماء المصور الذي كان يستخدمها لحظة استشهاده.
لقد لعب التصوير الفوتوغرافي دورا بالغ الأهمية في الثورة إذ كان الوسيلة التي سمحت بالالتفاف على السياسة الإعلامية التي اتبعها النظام منذ اندلاع المظاهرات. وهي سياسة تقوم على ثلاثة عناصر: 1- الحصار الإعلامي الكامل لمنطقة الصراع 2- احتكار الأمن للمعلومات بحيث لا يرشح إلا ما ينال موافقته 3- سياسة المطرقة الإعلامية التي تعتمد على تكرار خطاب وحيد بشكل يمنع المتلقين من إمكانية تصور أي وجهة نظر أخرى.
في البدء شكّل "شاهد العيان" الخرق الأول لهذه السياسة، لكن الصورة الفوتوغرافية قدّمت ما كان يعجز الخطاب الشفهي عن تقديمه، أي الوثيقة البصرية المادية. إن مئات الكلمات لا تقدر على نقل صور الخراب في المدن المهدّمة، أو صورة طفل يبكي أهله مثلا، كما تنقله صورة فوتوغرافية واحدة.
لا يتوقف دور فن التصوير عند هذه المساهمة الإعلامية فقط، فقد قام العديد من الفنانين الفوتوغرافيين المحترفين بإبداع أعمال تشكيلية في استديوهاتهم يعبّرون من خلالها، وعبر تقنيات فنية متميزة، عن الثورة أو عن بعض اللحظات الخاصة فيها.
حيطان
في العشرينيات من القرن الماضي، ظهرت في "المكسيك" ظاهرة فنية ثورية أُطلق عليها اسم (الجدرانية Muralisme)، ومن أشهر أعلامها: سيكيروس (1896-1974) و ريفيرا (1886-1957) وأوروزكو (1883 ـ 1949). تقوم "الجدرانية" على مبدأ هدم فكرة المتحف ونقل الرسوم التصويرية من الأمكنة المغلقة إلى الفضاءات العامة مع التركيز على ضرورة تضمين الرسوم معان ثورية شعبية. وقد اكتسبت شرعية ثورية منذ أشار إليها "تروتسكي" عام 1938: "أتريدون أن تعرفوا كيف يكون الفن الثوري؟ شاهدوا إذن جداريات ريفيرا."
أصبحت "الجدرانية" شكلا من أشكال التعبير الفني المُعارض أو الثوري في العالم، فظهرت على امتداد جدار برلين منذ بنائه (1961) حتى سقوطه، وفي البرتغال أثناء "ثورة القرنفل" عام 1974، ثم على جدار الفصل العنصري في فلسطين... وأخيرا على جدران المدن والبلدات التي تشتعل فيها الثورة السورية.
لا يمكننا الحديث عن أسلوب سوري في الجداريات الثورية، لكن انتشارها الواسع يسمح باعتبارها شكلا أساسيا من أشكال إبداعات الثورة.
خط
كرّس القرن الماضي ظاهرتين سلبيتين في فن الخط:
الظاهرة الأولى تتجلى في ربط الخطاطين بين جمالية الخط وقدسية، أو بلاغة، النص الذي يكتب به. مما حوله إلى حامل زخرفي خادم للمعنى.
الظاهرة الثانية هي "الحروفية" التي ظهرت في البداية كرد فعل قومي/ديني على "غزو" مدارس فن التصوير الأوروبي لتنتهي، في جزء كبير منها، إلى نوع من الفولكلور.
اجتهد عدد قليل من الخطاطين في سورية، وفي العالم العربي، للإبقاء على الخط كفن بذاته، منفتح على إمكانية التجديد والإبداع. وكانوا في عملهم هذا مقاومين للركود الجمالي المتأثر بجمود الحياة السياسية المفروض من أنظمة الاستبداد.
ليس غريبا والحالة هذه أن نجد أن أهم الإبداعات في فن الخط العربي المواكبة للثورة السورية تندرج في سياق هذا الاجتهاد الحر، بينما يبقى التخطيط حسب الأشكال التقليدية حاضرا بشكل واسع في حين تغيب الحروفية بشكل شبه كامل عن المشهد.
ذاكرة
كل ما عرفته سورية في تاريخها الطويل مطرح للذاكرة الجمعية، تتساوى في ذلك مدن الطين الأولى مع آخر إنتاجٍ أدبي. وتتساوى في ذلك مرحلة الاستبداد ونتاجاتها مع مرحلة الثورة ونتاجاتها. فالذاكرة الجمعية حيادية، لكن التأريخ منحاز في تعامله معها. لذلك يغدو توثيق الذاكرة الجمعية أمرا لا بد منه لبناء ذاكرة عصية على مكر التاريخ. وللنجاح في تلك المهمة لا بد من الإطلاع على تجارب الشعوب الأخرى، ليس للمقارنة معها فحسب بل للتعلم منها وتفادي مطباتها أيضا.
يجمع العالم على عظمة الثورة السورية، ويقف اليوم مندهشا أمام إبداعاتها التي تمثل مطارح الذاكرة الجمعية لسورية المستقبل. ولكي ينصف التاريخ هذه الثورة لابد من توثيق ذاكرتها.
راديو
هناك العديد من القنوات التلفزيونية التي تقف مع الثورة السورية، لكن ليس لهذه إذاعة ناطقة باسمها. وقد انتبهت بعض المجموعات الشبابية إلى هذا العوز فقامت بإنشاء إذاعاتها الخاصة، ذات التكلفة الزهيدة، التي تبث عبر الإنترنت في ساعات محددة.
اهتمت هذه الإذاعات بشكل خاص بالقضايا التي تعكس نبض الحياة في زمن الثورة، فهي لا تقوم بنقل أخبار الميدان بقدر ما تهتم ببث برامج ثقافية واجتماعية بلغة خالية من التعقيد وقريبة من الناس. والفضل في ذلك يعود ربما إلى كون المجموعات التي تدير هذه الإذاعات مكونة بكاملها من الشباب الناشطين السلميين الذين ساهموا في انطلاقة الثورة.
رسم
لم يلق فن الرسم في سورية اهتماما مثل فن التصوير على الرغم من وجود رسّامين من مستوى عالمي، وخاصة ممن اشتغلوا بالحفر.
بالتوازي مع إبداعات الرسامين المعروفين الذين وقفوا مع الثورة وأنتجوا أعمالا في غاية الأهمية، حرّضت الثورة فنانين شبابا، أو شبابا ليسوا فنانين محترفين، على التعامل مع أدوات الرسم المختلفة ليرسموا على كل ما توفّر لهم من سطوح، بما في ذلك السطوح التي دمرّها القصف.
كما وفّرت بعض برامج المعلوماتية المتطورة إمكانيات للرسم، أو للعمل على رسوم متوفّرة على شبكة الإنترنت، سمحت بإنتاج رسومات ذات قيمة فنية مقبولة. لكن تبقى رسوم الأطفال عن الثورة أكثر أشكال هذا الفن أهمية لأنها تحمل شهادات صادقة وعفوية عن مدى الأسى وعمق الأحزان التي يعاني منها السوريون. ولأنها تصور الأحلام الكسيرة لأطفالٍ قضى العنف على مستقبلهم.
سينما وأفلام
للسينما مع الثورة السورية حكاية خاصة، إذ ربما تكون هي الفن الوحيد الذي أوجدت الثورة فيه شكلا إبداعيا خاصا بها، يسمح بالحديث عن: سينما الثورة السورية.
مثّل تسجيل الأحداث عبر الهاتف المحمول البدايات الأولى لهذا الشكل الإبداعي الجديد. وكانت مقاطع الفيديو التي تتناقلها المحطات التلفزيونية أو الشبكات الإعلامية على الإنترنت الشهادات الحقيقية الوحيدة عما يجري على الأرض.
إلى جانب هذا البعد الوظيفي لتلك المقاطع، يمكن الحديث عن بعد فني، جمالي، خاص بها، يربطها بنمط من الأنماط الجديدة في الإخراج السينمائي يستخدم الهاتف الجوال ويدعى (سينما الموبايل). لكن إن كان المخرج السينمائي يختار هذا النمط طواعية لأنه يرى فيه إضافة جمالية لعمله، فإن المصوّر، وهو غير محترف غالبا، يُرغَم هنا عليه لاستحالة استخدام أي أداة تصوير أخرى غير "الموبايل".
لهذه السينما خصائصها الفنية التي يحددها وضع المصور المنخرط في المجموعة التي تقوم بالحدث، ومنها: "انفلات الكادر" الذي يخرج من تحت سيطرة المصور لترسمه الحركة التلقائية لجسده؛ و"اضطراب الصورة" حيث لا يتمتع المصور برفاهية الوقت التي تسمح له بتوضيبها حسب رؤيته الجمالية الخاصة.
لم يكتف السينمائيون الناشطون بتصوير الأحداث في أماكن وجودهم بل توجهوا إلى المناطق المشتعلة مجازفين بحياتهم من أجل رصد الحقيقة، وقد تعرّض كثير منهم للاعتقال والتعذيب، ومنهم من استشهد.
في مرحلة لاحقة، بدأت بعض المؤسسات المانحة دعم السينمائيين الناشطين تقنيا وماليا، فقام عدد منهم بتصوير أفلام تسجيلية اعتمد بعضها على مقاطع فيديو مسجلة سابقا.
طوابع
جرت العادة منذ صدور أول طابع بريدي في العالم (1840) وكان يحمل صورة الملكة فكتوريا، أن تُصدَر طوابع تحمل صورة الملك أو الرئيس الجديد للدولة. وتزداد نسبة إصدارات الطوابع التي تحمل صورة رأس الدولة في الأنظمة الاستبدادية حيث تصبح كل مناسبات الوطن وأحداثه الهامة مرتبطة بشخصه أو من إنجازاته.
مع بداية الثورة درجت ظاهرة إصدار طوابع خاصة بها تشبه الطوابع التذكارية الرسمية. وتشكل هذه الإصدارات سجلا بصريا يذكّر بأبرز المحطات التي مرت بها الثورة، ويكرّم بعض شخصياتها الهامة من شهداء وناشطين متميزين أو أشخاص عاديين، سوريين أو غير سوريين، تركت أقوالهم أو أفعالهم أثرا لدى مؤيديها. لكن هذه الطوابع لم تتحول إلى واقع ملموس ولم تطبع ورقيا وإنما بقيت افتراضية تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. 
وسواء سنحت الفرصة لطباعة هذه الطوابع أم لا فإنها تبقى شكلا هاما من أشكال إبداعات الثورة السلمية، وشاهدا رئيسيا على جزء مهم من ذاكرتها.
غرافيتي
منذ اخترعت الكتابة حتى يومنا هذا، لم تنقطع الكتابة على الجدران لغايات مختلفة لكنها كانت في الغالب كتابات محمية من السلطات والقانون.
ارتبط ظهور الكتابة على الجدران أو "الغرافيتي" بشكلها المقاوم للرقابة وللسلطات باختراع عبوات الألوان المضغوطة في بداية الستينيات. قبل ذلك الوقت كانت الفرشاة هي أداة الكتابة، لكنها لم تكن تسمح بالتحكم بالخط كما في عملية البخ من العبوة المضغوطة فورا.
هناك طريقتان أساسيتان للكتابة على الجدران: البخ الحرّ، الذي يتطلب درجة من المقدرة الفنية، والبخ عبر "المِرسام"، وهو قطعة من الورق المقوى أو الصفيح تفّرغ ثم يتم البخ من خلال القسم المفرّغ فينطبع الشكل على الجدار.
واكبت الكتابة على الجدران الثورة منذ أيامها الأولى، ولاحق الأمن "الرجال البخّاخين" فاعتقلوهم ثم صاروا يقنصونهم. لكن هذا لم يمنع من ظهور كتابات الثورة في كل مكان وفوق كل سطح، حتى فوق مساحات الدهان السوداء التي كان الأمن يطمس بها الكتابات الأولية.
في سورية اخترعت الكتابة فكيف لاستبداد أن يمنعها؟؟؟
فيديو
ليس من اليسير تحديد مجال إبداعي خاص بالفيديو، إذ تداخلت استخداماته مع فنون أخرى وخاصة مع السينما، فكما نجد أفلاما سينمائية تستخدم تقنيات الفيديو، نجد الفيديو يستخدم التقنيات الفنية التي كانت تحتكرها السينما.
للفيديو حضور واسع في الثورة السورية، وخاصة لأنه يسمح بتسجيلٍ أكثر دقة، وبالتالي بعرض أكثر نقاء على وسائل الاتصال الحديثة، اليوتيوب تحديدا، وعلى القنوات الفضائية. ويمكننا، بشيء من التساهل الأكاديمي، تصنيف كل المقاطع المصورة التي لا تعتمد الكاميرا السينمائية من جهة، ولا الهواتف المحمولة من جهة أخرى، ضمن النتاجات الإبداعية "الفيديوية".
قصص مصورة
أصبحت القصص المصورة، والتي تعرف أكثر بتسميتها الإنكليزية (comics) أو الفرنسية (B.D) أو اليابانية (Manga)، فناً مستقلا عن الرسم والتصوير. وقد أدرج في لائحة تصنيف الفنون تحت الرقم (8) ليصبح الفن الثامن كما السينما هي الفن السابع.
بدأ تاريخ القصص المصورة في سويسرا عام 1830. ومنها انتقل إلى أوروبا وأمريكا. وقد ظهرت أولى المجلات المخصصة لهذا الفن في أمريكا في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، وانتظرت عدة عقود قبل أن تظهر ترجمتها إلى العربية في مصر.
لم يزدهر فن القصص المصورة المنتجة محليا في سورية (أو في أي بلد عربي آخر)، فبقي ميدانا لرسامين هواة، على الرغم من محاولة إدماج هذا الفن في منشورة "أسامة" التي تصدر عن وزارة الثقافة. لكن هناك اليوم عددا من فناني القصص المصورة السوريين المبدعين، وبعضهم لم يتخلف عن ركب الثورة فأنتج قصصا عن الثورة يمكن اعتبارها ثورة في عالم الفنون التشكيلية في سورية.
كاريكاتير
وصل فن الكاريكاتير إلى سورية في بدايات القرن العشرين، وكانت تبدو رسومه حينها كترجمة بصرية مستظرَفة للمُلَح الاجتماعية. بعد ذلك بدأت تكتسي الرسوم طابعا نقديا لاذعا للسياسة وأهلها، وخاصة في مجلة "المضحك المبكي" (1929 – 1966)، ثم في مجلة "الدومري" (2001- 2003).
شكّل الحدث السياسي المرجعية الأساسية لفن الكاريكاتير في سورية، حتى حين يتناول شخصيات بعينها فإنه يأخذها من الشخصيات الفاعلة في ميدان السياسة. وعرفت سورية رسامي كاريكاتير متميزين غير أن أغلبهم عمل خارج البلاد لأن هامش الحرية المتاح فيها لا يسمح لأعماله بالظهور.
مع الثورة، ومع ما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة من إمكانيات لمواربة الرقابة، ومع ظهور عدد كبير من النشرات الثورية، ازدهر فن الكاريكاتير السوري ولمعت أسماء فنانين شباب ضخّت فيهم الثورة روح الحرية التي لا يمكن لهذا الفن أن يعيش دونها. بل يمكن القول إن أسلوبا جديدا في الكاريكاتير يعتمد الاقتصاد في الرسم والكلام أخذ يتطور ويثبت وجوده إلى جانب الأساليب الكلاسيكية المعروفة.
لافتات
كانت شوارع سورية وفضاءاتها العامة تغرق في بحر من اللافتات حين تُعطى الإيعازات بالاحتفال والتعبير عن الولاء للقائد أو للحزب. لم تكن العبارات المكتوبة بخط الثلث أو الرقعة هي ما تُرفع اللافتة له، فهي في النهاية عبارات من قاموس فقير، لا فسحة فيه للإبداع، بل كان اسم صاحب اللافتة هو نقطة المحرق التي يُرجى أن ينتبه العسس إليها ابتغاء لمرضاتهم، وكسباً لغض طرفهم. لافتات زمن الاستبداد شواهد على الخوف والفساد.
مع انطلاقة الثورة، عادت إلى اللافتات وظيفتها الجوهرية. اتسعت أفاق اللغة المرسومة عليها، قاموس جديد بدأ يتبرعم وينمو. شكلٌ جديد من القول سكن اللافتات، وغاب اسم صاحب اللافتة. في الثورة ليس للافتة صاحب يلتمس الرضى، وإنما مواطنون... لا يعبرون عن مصالحهم الفردية الضيّقة وإنما عن توقهم للحرية وعن أملهم بسورية أحلى.
لافتات زمن الثورة شواهد على الحرية والأمل.
تغيرت مادة اللافتات أيضاً، لم تعد من قماش بل من ورق مقوّى، ليس لأن هذا أجمل أو أسهل أو أقل تكلفة بل لأن القماش ما عاد يكفي أكفانا للشهداء.
لقاء حصري
لقاءات حصرية من ثلاثة أسئلة تطرحها الذاكرة الإبداعيّة على فاعلين مختلفين بالشأن العام في سياق الثورة، كلٌّ بحسب عمله .واختصاصه. يتم اختيار الضيف/ة بمناسبة إطلاقه/ها فعالية جديدة.
لقاء هي نافذة جديدة أطلقها موقع الذاكرة الإبداعية في منتصف ٢٠١٦.
مسرح
لمعت في الثورة أسماء ناشطين كثيرين ممن كانوا من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، إلا أن النتاج المسرحي في الثورة لم يكن متناسبا مع تاريخ المسرح ومع فعالية المسرحيين في ميادين أخرى غير ميدان الإبداع. ويعود ذلك بشكل خاص إلى طبيعة الإبداع المسرحي ذاته. فالمسرح يفترض وجود فضاء آمن لمجموعة من الأشخاص طوال فترة معينة، وهذا أمر لا يمكن توفيره في ظروف الثورة؛ والمسرح أيضا فن بعيد الارتكاس، أي أنه لا يتفاعل بشكل مباشر مع الأحداث ومع مستجدات الحياة.
لكن رغم ذلك، نجد بعض التجارب النادرة داخل سورية، في حين نجد عددا أكبر منها في دول أخرى لجأ إليها المسرحيون الهاربون من عنف النظام، أو الباحثون عن فضاء يمكن فيه العمل بشروط آمنة.
وهنا تجدر الإشارة إلى شكل بسيط، لكنه بالغ الأهمية، من العمل المسرحي الموّجه للأطفال والذي كان يقدّمه بعض الشباب المتطوعين في مراكز إيواء العائلات التي هجّرتها المعارك من مناطق سكنها.
مظاهرات
غابت المظاهرات، بكونها تجمّعات نضالية حرّة للتعبير عن موقف من قضية معينة، نهائيا عن الشارع السوري لتحل محلها "المسيرات" التي أصبحت من العلامات الفارقة لشكل الحياة السياسية في ظل الاستبداد.
لم تكن المشاركة في مسيرة تعني تعبيرا عن رغبةٍ بقدْر ما كانت تعبيرا عن انقيادٍ لرغبة المنظمين. وهذا على العكس تماما من المظاهرات التي تنطلق المشاركة فيها من مبدأ الحق في التعبير الحر.
مع الثورة استعادت المظاهرات طبيعتها، لأنها انطلقت من روح تواقة للخلاص من نظام جائر. وعلى الرغم من المواجهة الوحشية التي استُخدِمت ضدها، تحوّلت المظاهرات إلى نوع من الاحتفالية الشعبية، وأصبحت عملية تحدٍ غير متوازن: السلميةُ والفرحُ بالحياة في وجه العنفِ والرغبةِ بالقتل، العينُ في وجه المخرز.
لم يسمح عنف النظام للثورة بأن تخصص ميدانا أو ساحة مركزية للتجمع، فاستعاضت عن ذلك بساحات وميادين على امتداد البلاد. صارت نقاط التظاهر، الاحتفال، الأسبوعية تحصى بالمئات، وكان واضحا أن ثمة روحا جديدا تتأجج لدى المواطنين،هي روح التحدي والتحرر، روح أسقطت الخوف الأسود الذي كان يقود المشاركين بمسيرات النظام.
منشورات إفتراضية
لم يعد خافيا على أحد دور وسائل الاتصال الحديثة في ثورات ما يعرف بالربيع العربي. ولا تشذّ الثورة السورية عن هذه الحقيقة على الرغم من تأخر المجتمع السوري في التعرّف على هذه الوسائل.
استُخدم الفضاء الافتراضي في معارضة النظام حتى قبل انطلاقة الثورة، وتطوّرت أشكال النشر فيه شيئا فشيئا ليصبح، مع تصاعد العنف، الميدان الأساسي للتعبير وتبادل الرأي وتداول المعلومات. ومن الأشكال التي اتبعت لهذه الغايات أشرطة الفيديو المنقولة عبر اليوتيوب، والتي أصبحت في كثير من الأحيان المصدر البصري الوحيد لما يجري على أرض الواقع. ومنها أيضا نشرات المجموعات التي تكاثرت على الفيس بوك وكان بعضها يتخصص بجزء محدد من أخبار الحياة العامة أو بتقديم الإرشادات في حالات طارئة...ومن هذه المجموعات ما كان ينظم منتديات حوارية حول موضوع محدد أو مع شخصية عامة. أما المجموعات المنظمة مدنيا وسياسيا ولا تجد أي إمكانية للتعبير في الفضاء العام فاستخدمت العالم الافتراضي لنشر بياناتها وتحليلاتها السياسي. لكن يبقى أكثر أشكال المنشورات الافتراضية رواجا "البوست" المثبت على "الجدار" والذي يجمع أرقى الكتابات وأظرفها إلى أسوأ الشتائم وأقبحها.
لقد خدم العالم الافتراضي الثورة لكنه يشكّل بذاته ثورة على آليات التفكير القديمة وآليات التشارك في العمل وفي الثورة.
منشورات مطبوعة
يمكن رصد بعض أشكال النشر الورقي - المطبوع التي ظهرت في الثورة السورية كالتالي:
1- القصاصات: وهي أوراق صغيرة مستطيلة أو مربعة، تحمل شعارات الثورة. يساعد الحجم الصغير للقصاصات على إخفائها ونقلها إلى حيث ستُرمى، وخاصة في الأسواق التجارية وفي الساحات.
2- المناشير: يعتبر المنشور من أكثر وسائل الإعلام المباشر انتشارا، وأقدمها، في العالم. يحمل المنشور عادة بيانا بأفكار مجموعة، أو دعوة إلى تجمّع... وينتقل عبر التداول المباشر أو من خلال اللصق على الجدران كملصق صغير.
3- النشرات الإعلامية: وهي ما كان يعرف باسم الصحافة الثورية. تتم طباعة هذه النشرات بكلف ضئيلة عادة لذا تكون صفحاتها قليلة وبلونين فقط.
4- الكتب: يمكن القول إن ما صدر عن الثورة السورية من كتب كثير نسبة إلى عدد الكتب المنشورة سنويا عن قضايا العالم العربي، لكن جميع هذه الكتب ظهرت بالطبع خارج سورية وبلغات مختلفة.
موسيقى وغناء
الموسيقى كغيرها من مجالات الإبداع الثقافي في سورية، كانت مقيّدة إلى حد كبير بالأطر الرسمية. ومن الطريف في هذا السياق، أن الموسيقيين الميالين إلى بعض الأجناس الموسيقية الصاخبة كانوا يتعرضون للتوقيف والسجن بتهمة "عبادة الشيطان".
يمكن القول إن الموسيقى رافقت هتافات المتظاهرين منذ اللحظات الأولى للثورة، لأنها اعتمدت على الإيقاعات التي ينظمها ضارب الإيقاع (الطبّال) وتصفيق المشاركين. لكنها سرعان ما تطورت لتطال العديد من الأجناس الموسيقية.
ففي مجال الغناء الشعبي يمكن رصد ثلاثة أنواع من الغناء:
1- غناء يعتمد ألحانا تقليدية، أو شائعة لدى العموم، يعاد أداؤها بلحنها الأصلي لكن مع كلمات جديدة مناسبة للثورة. وهذا النوع هو الأكثر شيوعا والأكثر ترديدا في المظاهرات.
2- غناء جديد بلحنه وكلماته يضعه فنانون معروفون، حسموا موقفهم مع الثورة.
3- غناء جماعي تضعه مجموعات من الهواة ويبث على قنوات التواصل الاجتماعي والمحطات التلفزيونية المؤيدة للثورة.
أما في مجال الأجناس الموسيقية الغربية، فقد ظهرت فرق عديدة وضعت أعمالا تنتمي إلى الجاز، الراب، الهيب هوب، البوب، الروك.....
وظهرت عدة أعمال موسيقية كلاسيكية اعتمد بعضها على ألحان شاعت في الثورة، كما وضع عدد من الموسيقيين غير السوريين مقطوعات هدية للشعب السوري.
نحت
مع دخول الحداثة إلى المنطقة في بدايات القرن العشرين، ازدهر النحت بعد انقطاع طويل بسبب هيمنة الثقافة الإسلامية التي تحارب هذا النوع من الفنون بشكل خاص.
ومع تحوّل النظام في سورية من سلطة الحزب الحاكم إلى سلطة الفرد، وتحديدا بين عامي 1973و2000 تكاثرت تماثيل الأسد الأب وأصبحت عنصرا بصريا طاغيا في الفضاء العام في سورية. لم يعد هناك صرح حكومي لا يفرد تمثالا نصفيا أو بالقامة الكاملة "للقائد الخالد".
إن الغاية من طغيان هذه النصب والتماثيل هي التأثير بشكل مباشر على ذاكرة المواطنين بشكل تتحوّل معه فكرة الوجود الكلّي للقائد إلى أمر ماثل في الواقع، وتنتقل بالتالي من مستوى المتخيّل إلى مستوى المحسوس المادي.
لم يكن النحت من الفنون التي ازدهرت مع الثورة، على الرغم من وجود إبداعات عديدة لنحّاتين ومثّالين مخضرمين وشباب، وفي كل أشكال النحت: نقش، قولبة، نُصب وتماثيل حديدية أو حجرية، تعشيق... والعلّة في ذلك هي أن هذا الفن يفترض وجود فضاء أمين يستطيع أن يعمل فيه النحّات، أو أن يعرض أعماله.
بالمقابل يمكن القول إن هدم النصب والتماثيل كان من سمات الثورة التي حررت الفضاء العام من رمز الاستبداد في انتظار أن ترفع فيها نصب الحرية.
نقد
في حكم الاستبداد، يخضع النقد لمزاجية الرقابة ورغبات الأجهزة المتحكّمة بها. ولا تكاد وظيفته تتعدى مراقبة الخطوط الحمراء المفروضة على أشكال الإبداع.
تعرضت الثورة وأحداثها وإبداعاتها إلى الكثير من الانتقاد الذي يجب ألا يعوّل عليه، لكنها شكّلت أيضا موضوعا للكثير من نصوص النقد المتوازن الرصين. وإن نم هذا عن شيء فعن مدى اهتمام النقّاد بالثورة وإبداعاتها. وعلى المبدعين المنخرطين في الثورة، أيا كانت قيمتهم، ومهما كان التزامهم، أن يتقبلوا بدورهم النقد الموجّه إلى أعمالهم وأن يحملوه على محمل الجد. وأن يتخلصوا من عقد الشخصنة والقداسة والعصمة الموروثة من عهد الاستبداد.
قامت الثورة من أجل الحرية بالدرجة الأولى، وإن كانت الحرية تعني إطلاق الروح الإبداعية بلا تسلط للرقيب، فإنها تعني أيضا إعمال العقل النقدي القادر وحده على تقويم الإبداع وتحفيزه وصونه من السقوط في مستنقع الاستبداد من جديد.